السيد عبد الأعلى السبزواري
36
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
التفسير قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ . تقدّم الفرق بين الإنزال والتنزيل بالنسبة إلى جميع الآيات المباركة بوجه كلّي ، وإنما ذكر عزّ وجلّ الإنزال لأن المقصود الأهمّ في المقام هو بيان تبعيض الآيات الشريفة ، بأن بعضها محكمات والأخرى متشابهات . ومادة ( حكم ) تأتي بمعنى الإتقان والإصلاح والحتم والمنع عن الخبط والفساد ، وهي كثيرة الاستعمال في القرآن الكريم بهيئات مختلفة ، قال تعالى - حكاية عن نوح - : إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ [ سورة هود ، الآية : 45 ] ، وفي الحديث : « ان الجنّة للمحكمين » ، أي الذين حتم عليهم القتل بعد ما خيّروا بين الشرك والقتل فاختاروه على الشرك . والإحكام في الكتاب تستعمل في موردين : الأول : بالنسبة إلى جميع هذا الكتاب العظيم ، المشتمل على الأسلوب المحكم المتقن والصادر من المصدر الأزلي الحكيم ، وهذا وصف لجميع آيات القرآن حتّى المتشابهات منه ، لأنها منه عزّ وجلّ ، وهي محكمة من تمام الجهات ، من حيث الصدور ، ومن حيث الأسلوب ، ومن حيث الإعجاز ، ومن حيث الهداية ، فهي محكمة بجميع ما مرّ من معاني الإحكام ، قال تعالى : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [ سورة هود ، الآية : 1 ] . الثاني : في مقابل المتشابه ، فتصير الآيات الشريفة حينئذ على قسمين ، محكمة ومتشابهة ، والمراد من المحكمات في هذه الآية الشريفة معلومة الدلالة ومفهومة المراد ، أي : مصونة عن طرو التردد والاحتمال عند الأذهان المستقيمة . قوله تعالى : هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ . مادة ( ا م م ) تأتي بمعنى الأصل ، قال تعالى :